ابن الجوزي
373
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يوم خلق الله السماوات والأرض » وذلك أن العرب كانوا يستعملون النسيء فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ، ثم كذلك حتى تتدافع الشهور فيستدير التحريم على السنة كلها ، فوافقت حجة أبي بكر ذي القعدة . وذلك أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استعمله على الحج ، فحج في ثلاثمائة رجل ، وبعث معه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرين بدنة ، فلما كان بالعرج لحقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقته القصواء ، فقال أبو بكر : استعملك رسول الله على الحج ؟ قال : لا ، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد / عهده ، فمضى أبو بكر فحج بالناس ، وقرأ علي رضي الله عنه براءة ، وقال : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ثم رجعا قافلين إلى المدينة . روى أبو سعيد الخدريّ ، قال : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر على الموسم ، وبعث بسورة براءة وأربع كلمات إلى الناس ، فلحقه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في الطريق ، فأخذ علي رضي الله عنه السورة والكلمات وكان يبلغ وأبو بكر على الموسم ، فإذا قرأ السورة نادى : لا تدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عهد فأجله إلى مدته . فلما رجعا قال أبو بكر رضي الله عنه : ما لي هل نزل في شيء ؟ قال : لا إلا خيرا ، قال : وما ذاك ؟ قال : إن عليا رضي الله عنه لحق بي فأخذ مني السورة والكلمات . قال : أجل لم يكن يبلغها إلا أنا أو رجل مني . وفيها أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بهدم مسجد الضرار [ 1 ] . وذاك أنه لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصلَّى فيه حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف ، وكانوا من منافقي الأنصار ، فقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيصلي فيه وليصلي أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، فأخبر الله عز وجل رسوله فأمر بهدمه وإحراقه .
--> [ 1 ] البداية والنهاية 5 / 19 .